أحدث التدوينات

[M]

مسلة الخوف

[M]

وداع ليس اخير

[M]

(محض أحلام )

[M]

(مناجاة)

[M]

(مسلة الخوف)

[M]

(حزن الفوانيس)

[M]

(ضياعات)

[M]

سعيا على القلب

[M]

قروي

[M]

الهاجـس

رياح الواقع في (غيوم ليست للمطر)

01 أبريل 2013
بواسطة في دراسات نقدية مع (0) من التعليقات و 897 مشاهدة

 سمير خليل

د. سمير الخليل

 

حين تكون الفكرة هي الرؤيا المنعكسة في داخل اللغة فتمتد هذه اللغة إلى المساحات التي تستطيع أن يعطيها الشاعر الثيمات المتغيرة وفق منهجية تكوين المشاعر النفسية والرموز المترتبة على التعبير عنها من خلال قدرة الشاعر على المسك باللغة كأداة نقل هذه اللغة لكي تصبح اللغة هي الواسطة المعبرة عن هذه الثيمات المتغيرة، وليس من أجل أن تصبح اللغة هي التصور الناطق لهذه الرؤيا، ونحن هنا أمام شاعر يمتلك ناصية اللغة المكونة لكل المعاني التي توصل إلى إحداث الانزياحات الواسعة والتي تجعل المتلقي يتطابق برؤيته مع الرؤيا التي يريد الشاعر أن يوصلها ، أي أن الشاعر (ماجد البلداوي) يعرف كيف يصوغ منهجية الرموز المكثفة المتحققة من خلال رؤيته الفكرية لمنابع هواجس الذات بكل مراحلها وحسب تغير الظروف المكانية والزمانية لكي يرتقي بالرمز المتجدد إلى غايات واضحة مع اعطاء الرموز المكثف..

يرصد البلداوي في ديوانه معاناة الإنسان العراقي، حين يواجه الواقع المر، ويفلح في تصوير حالات الخوف والفزع التي تواجهها الذات الشاعرة، كما يعمد إلى تصوير الهواجس والأحلام المؤجلة، وسط مشاهد الدماء التي اصبحت حاضرةً دوماً في المشهد العراقي حتى فقدت قدرتها على إثارة الفزع من وجودها.

يحتفي الديوان بالوقائع والتفاصيل ويحللها بصورةٍ فنية دون مبالغة أو مغالاة، ودون الوقوع في خطيئة المباشرة والخطابية التي قد تصيب مثل هذه النصوص ذات الخصوصية السداسية للتجربة الشعرية، بل يقدم لنا ذواتاً مهمشة تعاني من الوحدة، وتعاني من الفقد المتواصل؛ هي ذوات يرى فيها كل إنسان نفسه المنسية وسط آلام الحرب وصراعات الواقع.

تتسم قصائد الديوان بالانسيابية والمرونة على المستوى الجمالي، فرهان الديوان من البداية ليس توصيل المعنى وتحميل الدلالات فقط؛ بل الحرص الشديد على المقاييس الجمالية التي تحمل قدراً من الوعي الجمالي والدلالي. لذلك تتجلى قدرة الشاعر التصويرية في المزج ما بين الحسي والمجرد في نسج مجازي متتابع متحرك، ومن هنا تبدو أهمية اللغة والأسلوب اللذين يرتكز عليهما من خلال هذه العلاقة التبادلية كي يصبح معنى النص ورمزيته واضحين. فإن الارتكاز على اللغة يكون من أجل الكشف على المستوى المجازي ومستوى التوغل في الخيال لكي يطاوع الرؤيا وفق تركيب اللغة العميقة لأحداث المغايرة في تركيب المفردات والمؤثرة في المتلقي حين يقرأ النص الشعري بعيداً عن الجنوح إلى مفردات فارغة من المعنى الواضح المرمز بكثافة العبارة الشعرية وهذا ما نجده في نصوص الشاعر (ماجد البلداوي) حيث تبقى الكلمات هي الارتكاز الأكثر امتداداً والرحم الأول لولادة المعنى وهذا ما نلاحظه في قوله :

حيث المنائر سكرى

وصوت المؤذن يخبو ويصعد

يخبو فتنكسر الكلمات ….

حيث يكون هنا الارتكاز في أحداث الفعل هي الكلمات وهي المؤشر على تغير الحياة المؤدية إلى فقد الحياة، فبقدر ما يخبو صوت المؤذن تخبو وتتكسر الكلمات وهذه الدلالة على فقد الإيمان.. فالكلمات تبقى هي الحيز الذي تتحرك ضمنه الأحداث حيث يشكل عنصر الكلام الدافع للفعل، فتصبح الكلمة هي المعبر عن المعنى المتحقق لكل الأفعال في قوله:

…آه يا… قلتها مرَّةً

وتسلل دمعُ من الذكريات البعيدة

أرخت عناقيدها الكلمات

يبدأ بحرف النداء إلى البعيد ليشير برغم بعد هذه الذكريات فهي موجودة في الكلمات حوله:

آه كم أحتاجك يا أنثاي

الليلة تلتهب الكلمات.. فنشعل موقد وحدتنا..

نتدفأ بالعشب… وبالأمطار ألوذ بدفئك..

كل معنى في الوجود خارج اللغة لا يكتسب الحقيقة الجوهرية في ظواهر الحياة والشاعر هنا استطاع أن يعطي إلى اللغة عمق المكاشفة عن حركة الظواهر وارتباطها المنعكس عن الجوهر فهنا أقصى حالة لحاجته إلى إنثاه هي التهاب الكلمات حيث تصبح المعبر الكامل لكل مشاعره الداخلية لكل ما يعيش من استفزاز داخلي والمحددة من خلال الرموز (الليل- الدفء، العشب- الأمطار)

والذي يميز الشاعر أنه يحدد الفعل ومن ثم يكشف عن كوامنه الانعكاسية حيث تصبح اللغة هي الاختيار الاكثر تعبيراً عن هواجسه النفسية وتنقلاته ضمن الوجود :

قال المهرج سوف تدرك خيبة الكلمات

تشعل في فضاء الغيم

أسيجة وتمضي، خلف صبادين ويبتكرون شمساً للنميمة

فنجده هنا يحاول أن يفسر أن كل ما يحدث حوله من خيبات في التعبير هو بسبب الكلمات، أي أنه يكشف عن رموزه الداخلية من خلال تعبيره الاستعاري لكي يحدد الرمز وقيمته وهذا يحدث من خلال عدم الافراط في الغموض عند التعبير عن هذا الرمز، وهذا طبعاً يؤدي لديه إلى تكوين الاستعارة الدلالية والمكونة إلى الصورة الشعرية المقاربة إلى بؤرة النص المتحرك:

آه لم يعد الرصيف بضاعتي

سأروض الكلمات كي تنصاع لي، وأدس في غاباتها طرقي..

حين يعجز عن ايجاد تصالح مع الواقع حوله يحاول أن يلجأ إلى تطويع قيمة التعبير عن هذا الواقع الذي يعيش خارج ذاته الداخلية ورموزها ، حيث لم يجد في الوجود الذي حوله إلا منفى اختيارياً لكل ما يريد أن يصل إليه، فيحاول أن يعيد المعنى إلى الأشياء التي فقدت معناها بطريقة انتاج رؤى أخرى مغايرة لها وهذا ما نجده في قوله:

هذا هو الناي البعيد

يرتق الكلمات ، بالمعنى، وفاتحة الأنين

فهنا الواقع هو الفعال في تحقق اللغة التي يستطيع أن يعبر من خلالها عن معاناته واغترابه، فهو هنا من خلال البعيد أي بعيداً عن الواقع الذي حوله يأتي به لكي يرتّق الكلمات بالرغم أن واقعه المعيش لا يحمل سوى المعنى والأنين ويتم ويتم كل هذا من أجل أن يخرج نبضه الذاتي إلى مستوى الموضوعية، فيمتد هذا الواقع ليشمل كل الزمن الذي يمر به دون التدخل منه بحرف الانتماء إليه فهو المسكون بالطعنات، والقلق والحرب والرصيف الدامي، فيحاول أن يعيد تجميله وترميمه:

يا أيها المسكون بالطعنات ، والكلمات

والقلق والحروب.. دمك الرصيف، فودع القداح..

وعلى الرغم من أنه متمسك بهذا المكان دون التخلي عنه يحاول أن يرسم أفقاً آخر وعصفوراً من الكلمات لكي يغير المعنى لديه من خلال مسحه بزجاج غمامه ونحيبه الذي يرزح تحته، وهنا يأتي بالأفق وهي محاولة البحث عن واقع آخر بعيد عن الواقع الذي حوله فصارت اللغة محور تغير لكن بشكل تمني، وهذا ما نجده في قوله:

وأرسم لهذا الأفق.. عصفوراً من الكلمات

وأمسح من زجاج غمامي.. هذا النحيب..

فكل حدث يؤدي إلى اللغة يتكون المعنى لهذا الحدث من خلال المفردات المناسبة التي تعبر عنه وعن الذات حيث تطرح هذه الذات التأثير بشكل رموز من الوعي واللاوعي، فزمن العربي لم يعد بلا تمتمات ولا كلمات بل أصبح مجرد لافتات وأغانٍ وصراخ لا يفعل التغير بل يهمش هذا الزمن لفقدانه الكلمات وحتى التمتمات أي: أصبح الزمن العربي مجرد صراخ لا طائل منه في إحداث التغير المنشود

لهذا أنا.. أقصد الزمن العربي..

بلا تمتمات و كلمات.. ولا عولمة.

أقصد اللافتات .. الصراخ..

العويل..

لفقد الشاعر كل أمل بالتغيير يشعر أنه غريب لأنه وحده يريد أن يحدث التغيير ولكن لا أحد معه فتسبقه الكلمات ويسبقه الدرب، وهذه الوحدة والغربة تجعله يرتد إلى ذاته دون هدف ودون أمل وما يجعله يغرق في الجنون:

منفرداً أخطو في هذا العالم وحدي..

أمشي تسبقني الكلمات

يسبقني الدرب.. أغرق في بحر جنوني

نلاحظ أن اللغة ترتقي عنده لمستوى التعبير عن كل خلجاته الذاتية ورموزها المعبرة عن هذه الخلجات فحتى الدعوة إلى أنثاه تأتي إليه من خلال التصاقها بالكلمات، حيث يشعر أن كل شيء خارج الكلمات هو صمت فيتحول التلاقي من خلال الكلمات:

أدعوك الليلة.. هيا التصقي

بي.. وبالكلمات..

إن ترادف الاستعارة في أحداث الانزياح المكون للصورة الشعرية يجعل مساحة النص تتهيكل على إيقاعٍ داخلي يكون الصورة بشكل شفاف وعميق، أي أن الشاعر يؤكد ما قاله (سوسير) أن اللغة هي نظام يعتمد كلياً على التقابل بين وحداته وهذه الوحدات هي الاشارات. فبعد أن شعر أن المكان الذي حوله خارج إحساسه بالانتماء يولع ذاكرته بالركض كي يبتعد عن هذا المكان لكي يستعيد ذاكرته البعيدة. فالشاعر لم يعد يمتلك إلاّ أن يستوحي آخر ما يمتلك من تعبير عن هذا المكان، ووصوله إلى اليأس من التغيير الذي يحدث حوله فلا يصادق إلاّ النحاس أي الركود والتوقف النهائي عن البحث عن مدلول خارج دالة المكان بالمتغير ونجد هذا في قوله:

وأولع ذاكرتي بالركض.. استبدل القصيدة بالتذكر،

والكلمات بالفضائح.. عندئذٍ يستوحي الشاعر آخر موتاه

ويبدأ بمصادقة النحاس..

وتصبح حتى اللغة لديه لا معنى لها حين يفقد المكان الذي حوله أي معنى حيث تصبح الكلمات لا طعم لها. ومن أجل الابتعاد عن هذا المكان يتوجه إلى الزمان كحل آخر من أجل الابتعاد كلياً عن مكان ، فالزمن اصبح يشير إليه بالغباء لهذا لا يمكن أن يروضه، وعليه أن يعود إلى ذاته ويروض الأمعاء التي تشير إلى الصبر والانتظار إلى التغيير الذي سوف يحدث في المكان:

لا طعم هذه الكلمات من حلوى الضجيج..

سأروض الزمن الغبي.. أروض الأمعاء كي تلهو..

ويستمر في محاولة ترويض الكلمات لكي يجد المعنى الذي يبحث عنه وهنا استطاع أن يعبر بهذه المحاولة إلى صفة أخرى من المعنى داخل اللغة نفسها ، فالشاعر هنا روض الكلمات لكي تنصاع له في معناها فقد دسَّ طرقه في غاباتها أي استطاع أن يعثر على المعنى الذي يريد في إحداث التغيير، وقد أصبحت اللغة عنده خطاباً شعرياً وتغييراً أو أملاً بالتغيير فرسم شرفة للريحان، كي تولد القصيدة طفلها وبهذا طابق المدلول مع الدال بالرغم من تغيّر المعنى في المدلول ونجد ذلك هنا في قوله:

سأروض الكلمات لي تنصاع لي.. وأدس في غاباتها طرقي

وأرسم شرفة للريح .. كي تلد القصيدة طفلها

وفي المقاطع التالية يتراجع فلم يعد في اللغة من جدوى في التغيير فقد يئس من هذا التغير حيث تمتد المساحة هنا ما بين الاحتراق والحرق فقد دخن ونام ولكن في الحلم أحرق كل ملابسه لكنه لم يحرق ملابسه بل حرق الكلمات أي حرق المعنى الذي كان يبحث عنه بشكل أعطي دلالة واضحة المعنى والانزياح فأنه فقد حتى في حلمه الأمل الذي يجسد فيه التغير المنشود، كما في قوله:

دخن سيجارة ثم نام.. وفي الحلم أحرق كل ملابسه..

فتيقظ، أدرك في حينها.. أنه أحرق الكلمات..

بهذا استطاع الشاعر أن يجعل من اللغة هي اللغة الذات حيث تحولت إلى انفعال نفسي تجعل النص لديه هو السعي إلى التعبير عن هذا الانفعال والمرتبط بمكنوناته وهذا ما يجعل من لحظة كتابته للنص الشعري عبارة عن لغة الذات في لحظة مخاضها وتجليها مرتبطة بتحليل الوعي الذاتي وسط المتناقضات التي تولد في رحم النص. وهنا طبعاً يأتي تأثير الظرف الخارجي والذي يكون جزءاً مساهماً في تكوين النص من خلال ما يحدث من تأثير متبادل بين الذات الواعية والظرف الخارجي، فيخرج هذا التأثير على شكل رموز تمكن الشاعر من التعبير عنها. وبهذا نحن امام شاعر جعل من الحوار الذاتي الداخلي هي اللغة الذاتية بجميع مقارباتها النفسية والتي تعطي الرمز كحالة التعبير عن مكنونه الفكري والإدراكي المكون إلى الرؤيا التي تحدد ذائقته الشعرية بشكل واسع وعميق فينتج الرمز الموحي لكل مراحل الذات وقناعاتها بلغته الذاتية والمعبرة عن قلق طموحاته ووعيه الشخصي ، فالشاعر البلداوي على ضوء ما ذكر استطاع أن يؤسس لغة بمستوى ذاته والمنفتحة على التطلع والحلم ، أي جعل من نصه سر لغته الذاتية والمعبرة عن كامل هذه الذات في صدقها وتفاعلها مع كل ما يحيطها من التغير في محيطه.

جريدة البيان العراقية

العدد 1217 – 21/7/2013 الاحد

الاوسمة: ,
ماجد البلداوي

كتب بواسطة :

انشر الموضوع

RSS Digg Twitter StumbleUpon Delicious Technorati facebook reddit linkedin Google

مواضيع مشابهة

  • لاتوجد مواضيع مشابهة

أضف تعليق